أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

219

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فتح الهمزة أن تكون الفاء زائدة ، كهي في : « زيد فقائم » . قلت : سيبويه لا يجوز زيادتها في مثل هذا الخبر ، وإنما أراد أبو علي تنظيرها في مجرد الزيادة ، وإن لم يقل به ، بل قال به غيره . الرابع : أنها في محل جر نسقا على الضمير المجرور في « به » ، أي : ذلكم وصّاكم به ، وبأن هذا ، وهو قول الفراء أيضا . وردّه أبو البقاء بوجهين : أحدهما : العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار . والثاني : أنه يصير المعنى : وصّاكم باستقامة الصراط ، وهذا فاسد » . قلت : والوجهان مردودان . أما الأول فليس هذا من باب العطف على المضمر ، من غير إعادة الجار ، لأن الجار هنا في قوة المنطوق به ، وإنما حذف ، لأنه يطرد حذفه مع « أنّ » و « أن » لطولهما بالصلة ، ولذلك كان مذهب الجمهور أنهما في محل جر ، بعد حذفه ، لأنه كالموجود . ويدل على ما قلته ما قاله الحوفيّ ، قال : « حذفت الباء ، لطول الصلة ، وهي مرادة ، ولا يكون في هذا عطف مظهر على مضمر لإرادتها » . وأما الثاني : فالمعنى صحيح غير فاسد ، لأن معنى توصيتنا باستقامة الصراط ألّا نتعاطى ما يخرجنا عن الصراط ، فوصيتنا باستقامته مبالغة في اتباعه . وأما قراءة ابن عامر فقالوا : « أن » فيها مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن ، أي : وأنه ، كقوله تعالى : أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ « 1 » ، وقوله : 2136 - . . . * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل « 2 » وحينئذ ففيها أربعة الأوجه المذكورة في المشددة . و « مستقيما » حال ، العامل فيها إمّا « ها » التنبيه ، وإمّا اسم الإشارة . وفي مصحف عبد اللّه : « وهذا صراطي » بدون « أنّ » ، وهي قراءة الأعمش ، وبها تتأيد قراءة الكسر المؤذنة بالاستئناف . « فتفرّق » منصوب بإضمار « أن » بعد الفاء في جواب النهي . والجمهور على : « فتفرّق » بتاء خفيفة ، والبزي بتشديدها . فمن خفّف حذف إحدى التاءين ، ومن شدد أدغم ، وتقدم هذا آنفا في « تذكّرون » . و « بكم » يجوز أن يكون مفعولا به في المعنى ، أي : فتفرقكم ، ويجوز أن يكون حالا ، أي : وأنتم معها ، كقوله : 2137 - . . . * تدرس بنا الجماجم والتّريبا « 3 » وختم هذه بالتقوى ، وهي اتقاء النار ، لمناسبة الأمر باتباع الصراط ، فإنّ من اتبعه وقى نفسه من النار . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 154 إلى 156 ] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 154 ) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) قوله : ثُمَّ آتَيْنا . أصل « ثم » المهلة في الزمان ، وقد تأتي للمهلة في الإخبار . وقال الزجاج : « هو معطوف على « أتل » ،

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية ( 10 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) تقدم .